قصة قصيرة

Omar Mahmoud Omar Mahmoud
مقالة Parenting Coaching تاريخ النشر : 2 weeks ago

فجأة؛ استيقظت من نومها؛ يشق صراخها سكون الليل المنسدلة أستاره؛ تحدق بمقلتيها في أرجاء الحجرة المظلمة؛
ولا من شعاع نور يضيئ حولها؛ سوى بريق عينيها الناجم عن دموع سبقت هبتها هذه؛ وسبقت صراخها؛

تزداد عيناها اتساعاً؛ جاهدة أن تتعلق بشيئ من حجرتها الصامتة في هذه الساعة المتأخرة من الليل؛ يزداد صراخها؛ إذ لم تجد ما يهدأ من روعها ولا شيئ يحوطها سوى ظلام دامس؛
أخذت تلوح بيديها في الهواء علها تتعلق بشيئ؛ وترجو من خالص قلبها أن تصطدم بأي شيئ في مكانها هذا؛ عله يكون طوق نجاة لها؛
لم تجرؤ على القيام من مكانها أو النزول إلى الأرض؛ فأي أرض تلك التي تطأها؟
وقد كانت الأرض تموج بالأشواك منذ قليل في منامها؛ وفي كل بقعة ترى الأشواك حولها تحول دون مسيرها وتعوق حتى وقوفها؛
ازدادت نبضات قلبها؛ وشعرت بشيئ في حلقها لم تعهده؛ لقد بُح صوتها وتحشرجت الكلمات بحبائل الأصوات؛
وانتابتها رعشة في سائر جسدها؛ هل لا زلت بالحلم؟
هل أنا فعلا بأرض الأشواك؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا أظلمت؟ لا أحتمل الأشواك والظلام معاً؛ لا أحتمل هذا الألم في حلقي .. (أمااااااااااااااااااه) ..
تدخل الأم مسرعة؛ مضيئة لنور الحجرة، هاتفة باسم الله تعالى، ينفغر فاها، ويتفطر قلبها، وتجحظ عيناها؛ إذ ترى ضحى؛ ابنتها؛
تلك البنت الصغيرة ذات الأعوام الستة والضفيرة الواحدة؛ قد انهمرت دموعها أنهاراً من مصب عينيها؛ مبللة صدرها، ووجهها شاحب أصفر؛ ولدوما كانت تراه من قبل وردي متفتح تعلوه ابتسامة الأطفال ..
يا إلهي ماذا حدث؟ انطلقت أم ضحى إلى سرير ابنتها مسرعة؛ نازعة يدها من فوق مفتاح الإنارة؛ وكأن الكهرباء قد انتقلت منه إلى يدها مخترقة جسدها لتقذف صاعقة في قلبها؛ إذ ترى ابنتها هكذا ..
ارتمت ضحى في حضن أمها غير مصدقة؛ هل بالفعل نجوت من أرض الأشواك؟ هل هذا النور الذي يغمر غرفتي الآن حقيقي؟ لم تصدق ذلك إلا عندما نزعت رأسها في وجل من صدر أمها لترفع رأسها وتنظر بعين أمها لتدرك حقيقة الموقف ..

ضحى: نعم الأمر الآن بخير غير أني لا أقوى على الحراك، وكأن الأشواك لا زالت تحوطنى، ودموع عيني لا زالت تنهمر لا يمكنني حبسها ..
تزداد قبلات أمي ما بين عيني ورأسي ووجهي، ولسانها يتمتم بالدعوات ويلهج بذكر ربي؛ محاولة تهدأتي حتى اطمئن قلبي ..
لا يمكنني وصف ما أنا فيه، لا تسعفني الكلمات ...، فسني الصغيرة لا تمكنني من وصف الأمور ودقائقها، غير أني أحكي لكم أنتم بلسان حالي ومداد قلبي؛ موقنة أنكم تستشعرون أمري ..
أمي تلح علي بالطلب (ما بك يا ضحى؟ ما بك بنيتي؟)
لم أستطع الجواب؛ ما رأيت كان مفزعاً ووصفي له درب من العجز والاستحالة ..
تناديني أمي .. (حبيبتي .. لا عليك فأنا جوارك .. أنا هنا الآن ..)
أجبتها مسرعة دون تفكير؛ فلست بالذي يفكر في كلامه قبل أن يتفوهه وأنا بمثل سني ..
(لماذا رماني أبي هناك؟..)
رمقتني أمي بنظرة دهشة وحيرة وعيناها تزوغان في المكان محاولة ترجمة ما نطق به لساني .. عفوا .. ما نطق به قلبي ..
(ماذا تقولين يا ضحى؟ وأين أباكِ الآن منا؟ وأنى لأبيك الحبيب أن يرميك؟ لعلك فزعة يا حبيبتي .. قولي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً واتفلي عن يسارك)
نظرت لها بدهشة إزاء ما تقول .. أنا أعي أن أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فلطالما علمتني أمي هذه الكلمات، ولكن ما معنى أن أتفل عن يساري؟ ولماذا وأنا على تلك الحال؟
هل تفلتي هذه تمحو من مخيلتي تلك الأشواك التي رأيتها بمنامي؟
رددتُ بدوري على أمي متسرعة من جديد (وهل تفلتي على الشيطان تمنع أبي من فعله؟ ..)
إذا فليذهب الشيطان إلى جحيم منصب من وابل تفلاتي؛ وليلتقطني أبي من حيث رماني .. كانت هذه الكلمات تدور في رأسي دون وعي، وكأنها رابط بين منامي وكلمات أمي .. ومشاعري ..
تعجبت أمي من قولي، وضحكت ضحة بعينها؛ متحيرة بكلماتي، وكررت (حبيبتي .. قولي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً واتفلي عن يسارك)
لم أجد بداً من فعل ذلك؛ غير أن طفولتي ذات الأعوام الستة؛ كانت سبباً لضحك أمي بعد فزعها عليّ ..

فلقد وقفت على قدمي؛ ونظرت في حدة إلى الأرض عن يساري من فوق طرف سريري، ورددت الاستعاذة بربي من الشيطان الرجيم، ثم أخذت أتفل على الأرض في عرض طفولي بهلواني مستمر .. وكأني أنهي بتفلاتي هذه آلام أشواك الأرض التي أرقت منامي.
أنتهى ضحك أمي بسؤال أعاد الألم لحلقي ثانية (لم تقولين على أبيك هذا؟ وأنى له أن يرميكِ وأين؟..)
جائتها إجابتي غريبة كسابقها، وانا أدور بعيني في الحجرة من حولي وكأني أبحث عن إجابة في ستائري الوردية أو ألعابي الملقاة حولي وعلى سريري والتي أعادت إليّ الطمأنينة مع تفلاتي وكلمات أمي الرقيقة ..
(أماه .. لقد أخذني أبي من يدي وحملني من فوق سريري ووضعني على أرض مليئة بالأشواك .. لا تدعيه يفعل بي ذلك مجددا أماه .. أرجوكي ..)
توجهت أمي بعينيها الحنونتين إلى أعماق قلبي؛ مخترقة جدران جفوني ومقلتي؛ في مزيد العطف قائلة .. (هل يحزنك يا ضحى ما فعله والدك على العشاء بالأمس؟ ..)
طأطأت رأسي وعيناي، وشردت بذهني في تلك الأحداث التي أرقت ليلتي، والتي كانت بدايتها وجبة العشاء الأخيرة؛ ونهايتها أرض الأشواك؛
حيث كانت نظرات أبي تراقب يدي التي كانت لا تزال تطيش على طاولة الطعام؛ وقد اتسخت يداي وملابسي وجزء كبير من طاولة طعامنا ..
فزعتُ وانتفضَتْ جوارحي؛ بدءاً من ضفيرتي الوحيدة فوق رأسي وحتى آخر أصابع قدمي؛ حين تحولت نظرات أبي لصرخات تملئ أركان غرفة الطعام وتهز ستائرها والمائدة وكراسيها في عنف؛ فضلا عن قلبي الذي انتقل من ضلوعه وسقط أرضاً على إثر صراخه في وجهي .. (ضحااااااااااا .. أما آن لكِ أن تكُفّي عن هذه الطريقة القذرة في تناول الطعام؟ ألن تتعلمي يوماً كيف يأكل البشر؟ قومي عنا .. وضعي تفلاتك وسقطاتك هذه في حجرتك .. يا لكِ من قذرة ..)
هنا؛ وحين تذكرت المشهد ثانية؛ وهو ما يتكرر دوماً على مائدة الطعام؛ أخذ جسدي ينتفض مكرراً وشعرت بضفيرة رأسي الصغير تهتز؛ معلنة حلها؛ وكأن شيئاً في جسدي لا يقوى على الترابط والاتزان ..
أشعر حقاً بمشكلتي في طريقة تناول الطعام، ولكني كلما حضر الطعام؛ نسيت توجيهات أمي التي تعلمني إياها من آداب وخصال، ولا أذكر إلا صراخ ووجه أبي وهو ينهرني .. تضيع الآداب والتوجيهات وتطيش يدي في طعام المائدة رغماً عني .. هرباً من عيون أبي التي تطاردني ولا تزيدني إلا اضطراباَ ورعشة وطيشاً ..

انهمرت دموعي ثانية وأنا لا أتمالك كلماتي؛ وعيناي تحدقان بالأرض في حدة معلنة سخطها على الأشواك ..
(لماذا يعنفني أبي دوماً؟ لماذا لا يحلم عليَ مثلك أماه؟ لماذا أراه دوما في منامي يحملني من سريري هذا ويلقي بي على أرض الأشواك؟ لماذا تظلم حجرتي دوماً حين أذكر أبي؟ هل مشكلتي مع أبي أني لا أعرف كيف أتناول طعامي؟ هل يستحق هذا صراخه ونظراته المرعبة لي؟
أماه أشتاق للنظر بعيون أبي .. أشتاق لصوته العذب .. إني أحبه أماه أحبه فأخبريه .. أريده أن يحبني فقط كما أحبه .. أريد أبي يا أماه .. لاأريد نظرات الشر هذه .. لا أريد هذا الصراخ وتلك القسوة .. أريد أبي الذي كان يحملني فرحاً ويدور بي في أنحاء غرفتي ليلاً وهو يقص عليَ حكايات النوم .. أماه هل كبرت على حكايات النوم؟ هل كبرت على أن أجد توجيهات أبي المرحة العذبة دون صراخ؟ هل كبرت يا أمي؟ أنا أخافه أماه .. أريد أن أنظر لأبي .. أريد أن أتعلم بعيني كيف آكل .. التوجيهات لا تكفيني أماه .. لا تكفيني)
كانت كلماتي العفوية هذه تهزني من الداخل؛ وكنت أظن أني أوجهها لأرض الأشواك والظلام الذي لطالما أرق منامي ..
فوجئت بدموع أمي تنهمر؛ حسرة على قلبي المتفطر ألماً، ضمتني إليها بقوة؛ وهي تحاول مسح آلام قلبي بضمتها هذه .. وحين ضمتني إليها وصار وجهي خلف رأسها .. ظهرت لي على أعتاب بابي بركة من المياه .. لم تكن سوى دموع شخص واقف هناك ..
إنه أبي .. آآآآآآآه يا ويلي لقد كان حديثي كله عنه؛ لقد شكوت علاقتي به أمام ناظريه؛ لقد تفوهت بألمي على مسمع منه ..
اقترب أبي .. فلقد كان على باب الغرفة منذ صرختي الأولى قادماً مع أمي ،، إلا أنه قرر الوقوف من بعيد لينظر ما حل بي ..

كلماتي كانت سبباً في دموعك أبتاه .. سامحني .. يا ليتني لم أنطق ولم أتفوه بكلمة .. يا ليت أرض الأشواك ابتلعتني قبل أن تسقط دموعك بسببي .. دموعك غالية عليّ أبتاه .. صدقني
كان هذا حديث نفس دار بيني وبين دموع أبي هنالك على باب غرفتي، وعيناي لا زالتا متعلقتان ببركة الدموع الغالية هذه ..
شعرت بكف حنون يربت على كتفي .. إنها أمي .. ماذا .. أمي تحوطني بذراعيها .. هل نبت لها ذراع ثالث؟ .. آه إنه كف أبي يربت على كتفي في حب وحنان .. نظرت في عيونه قبل كفه .. وتسابقت عيوننا في التعبير عما بقلوبنا ..
كانت عين أبي تنقل لي ندماً وشفقة وتعويضاً عن القسوة .. وكانت عيناي البريئة لا تعرف سوى الحب .. الحب وفقط .. وهذا ما جعل عيون أبي يزداد دمعها .. وأخيرا نطق لسانه ..
(سامحيني يا ضحى .. سامحيني بنيتي .. أرجوكي كلماتك كانت سهاماً تخترق صدري وقلبي .. أعدك ألا تسمعي صراخي بعد اليوم أبداً .. ولسوف ترمقك عيناي بالحب دوما .. أعدك حبيبتي)
تدرون ما كان رد فعلي حينها؟

لقد نظرت في عيني أبي وركزت فيهما ثم نظرت لأمي وصرخت في نشوة من الحب (جااااااااااائعة ..)
نعم جائعة .. ولم تلقَ كلمتي هنا إلا مزيداً من حضن أمي وابتسامة أبي وضمي أنا وأمي له ..
ومن فورها قامت أمي تعد لي وجبة العشاء التي لم أنعم بها من ليلتي .. وأحضرتها لي في غرفتي وفوق سريري .. حيث كانت لحظات الصمت هي ما يخيم عليّ أنا وأبي وهو ممسك بكفيَّ الصغيرتين في أحضان كفيَّه الحنونين .. لكم اشتقت لذلك
وضعت أمي الطعام أمامي وجلست تنظر إلي بينما أنا لا زلت أنظر لعيون أبي التي أحتاجها الآن حولي .. نعم أحتاجها تحوطني الآن وبتركيز ..
وبينما أنا ناظرة إليه إذ خرجت مني كلمات الرجاء (أبي كل معي ..)
وبالفعل مد يده ومدت يدي، وأمي تنظر إليّ وتهم بتذكيري بدعاء الأكل .. فوضع أبي يده على فم أمي ونظر إليّ وقال موجهاً الدعاء إليّ (اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار .. بسم الله) .. يااااااااااااااااااه أخيرا يا أبي .. كانت فرحتي غامرة ..
ومن فرط ما أنا فيه بدأت يدي تطيش في الإناء .. ابتسم أبي إلي بنظرة ماكرة وقال لي (كلي بيمينكِ؛ وكلي مما يليكِ ..) وضحكنا جميعاً؛ ولم أشعر إلا وعيناي أنا تحوط أبي وتراقبه، لأفعل مثلما يفعل، غابت التوجيهات،
وبقيت أفعال أبي أمام ناظري تعينني على التحكم في يدي على الطعام ,, وإذا بوجبة العشاء المتأخر تنتهي دون شعور مني ،،
غير أني فوجئت أن يدي نظيفة وملائة سريري الطفولية هي أيضاَ نظيفة .. أين التفلات والسقطات؟ لم يعد لها أثر .

قربتُ فمي من أذن أبي الحبيب هامسة بحب .. (أحبك أبي .. ولا أريد أن أعود خائفة منك) ..

© HUD Systems 2018